من عمالقة الشعر الحساني: الشيخ بن مكي الإديجبي

أعتبر نفسي مهتما بموروث الأدب الشعبي للبيضان في أرجاء المعمورة، وطالما رغبتُ في أن أضع طبقات لشعراء الحسانية على غرار ما فعل ابن المعتز وابن الجمحي وغيرهما مع شعراء الفصحى، ومع اعترافي بعجزي عن إنجاز هذا العمل حتى الآن فإن هناك أسماء في تاريخ هذا الأدب لفتت انتباهي بجودة إنتاجها وجعلتني أبدأ بها في الطبقة الأولى، وأرى الشيخ ول مكي الأديبَ الذي جمع من التوسع في هذا الأدب ما جعله أول من أتذكره حين يذكر هذا الأدب، فطالما كان أدباء الحسانية يشتهرون بـ”ابتوتة” بعينها أو أغراض ويقل إنتاجهم في غيرها، كما اشتُهر ول أحمد يوره ومحمد ول آدبّ بلبتيت وأحمدُّ سالم ول الداهي بلبير، واشتُهر ول أحمد مرحبَ بأدب الأرض حتى قال أحد النقاد إنه يتميز بدوام “الليعه” من تباعد المواضع حيث تبدأ طلعه غالبا بـ”يلالِ مبعد..”، وأربان بالتأثر الشديد بدوران الزمن.. لكن الشيخ طرق كل أغراض الأدب المتدوالة وأجاد فيها كلها، وأحسن امتطاء كل لبتوته المتداوله كذلك.. فهو بحق يستحق لقب: أمير شعراء الحسانية.. فمن هو الشيخ ول مكيٍ؟

هو الشيخ بن محمد محمود بن حبيب الله بن محمد بن مكي بن محم تارَ بن حبيب الله بن المختارنلَّ بن أبي بكرٍ بن بيايَّ بن أشفغ البكاي الجد الجامع لفخظ إداشفاغ من إديجبَ، ولد سنة 1912م في ضواحي ألاڭ وبدأ دراسته مبكرا حيث حفظ القرآن وأخذ بنصيب من الفقه واللغة من محظرة الصفره والكحله الإديجبية، ثم استهواه الأدب الشعبي على يد طلاب من أهل الڭبله في المحظرة، وسرعان ما تبع هوايته تاركا المحظره فلازم الأديب الشهير البو ول امّين الإديجبي فكان راوية لأدبه واستفاد منه، ثم بهره ما يأتي من الأدب من ناحية جنوب الترارزه(أرض الڭبله) فقرر الرحيل لاستكشاف هذه المنطقة، ولما قدم عليها كانت له كما قال عبد الله ول حمزه:
سامع عنك يغيلانَ … فالڭالت جمع الوزانَ
عنك ذاتك ما تدڭانَ … هي والذات اعلَ صيفه
وانذرت انجيك المُلانَ … من عند أهلِ ذِ لخريفه
وكتن جيت: الحڭتك “كانَ … الامر على ما وصيفَ”
ويحكى أن الأديب الكبير سيديَّ بن هدار استوصاه الشيخ حول كيفية إتقان قرض لغنَ فأوصاه باثنتين:
-أن يواظب على حفظ أدب أهل هدار، قالوا: فكان الشيخ راوية لأدب هذه الأسرة.
-أن لا تأتيه تافلويتان في التفكير إلا أكملهما ڭافا مهما كان ما سيكملهما به متكلفا حتى لا تذبل موهبته، فكان ذلك سببا في كثرة أدبه.
ومنها توجه إلى السنغال حيث كان يعمل في النهار تاجرا متجولا وفي الليل يحضر السمر الفني وربما رقص-وكان موهوبا في الرقص- فقال أحد زملائه يداعبه:
الشيخ الا كارد منجاع … فيه اتبط وحدُ لرياح
اظل اكراع اصوع اكراع … وايبات اجناح اصوع اجناح
اشتهر الشيخ بجمال الخَلق والخط وجلاء الوقار عليه، كما اشتهر بجودة إنتاجه الذي احتل به رتبة متقدمة بين جيله من الأدباء رغم معاصرته لأدباء ذوي قامة سامقة، وهو الذي يقول عن نفسه:
ما ايوحل عندِ ڭولان … كل بت ايڭولُ وزان
كل بت انڭول م كان … ڭاع بت اعلي يبعاد
فت ڭلت اغن بوعمران … وفت ڭلت اسغير تڭاد-
-رين اطلع ڭلت وڭفان … بت واعر ماهُ معتاد
ولا ايوحل عندِ لبير … ذات بتِّ ڭاع النختير
فيه نبدع، بت لكبير … بت واعر ماه مدڭاد
وكل بت اعلي يسير … فيه نبدع كنت المراد
ولا ايوحل عندِ منذ اخـــــــلڭت بت اسمعتُ فابلاد
وكل بت انڭولُ مملوخ … وكل بت انڭولُ مدڭاد
والمملوخ هو ضرب فاسد من لغن ابتُدئ به لغن ويستشهدون عليه بقول أحدهم:
جانيلك يتواطَ … دلالِ وانهيتُ
عن عزت شعباطَ … جابلي اراڭن اجرُّ
فالتافلويت الأخيرة وإن كانت واردة إلا أنها أفسدت الڭاف.
واشتهر الشيخ بإعجابه بخدِّ ابنتُ صديقه “الملك” همام البوعلي، ومما قال فيها:
ما ريت خدِّ من جيهَ … يكون زيدان أوجادِ
أنظل نتخمم بيهَ … وانبات نحلم فارڭادِ!
ويقول منوها بأخلاقها:
خدِّ عربيَّ مشتهر … فيهَ بيه ال ينشكر
عند اهل الغاي ما اشطر … ش معطَ من معطاهَ
ولا لاهِ معنَ ينجبر … زاد اكبر من معناهَ
عيبتهَ ماهِ رد راد … ڭلت فالڭوم اغباهَ
وحسن الخلق ولڭعاد زاد … اعل شِ والنزاهَ
ولم تكن وحيدة في ذلك، بل كانت ضمن قائمة من الآنسات دخلنَ عالم الشهرة عن طريق أدبه، منهن اميمينَ التي يقول عنها:
عند الغيد-وذَ ما ايهم- … سميْ اميمينَ شينَ
أميمينَ ي الغيد وامـــــــــميمين واميمينَ
و”امَّنه” التي يقول فيها:
فالغيد ارتد … ذ النوبَ رد
عن خالڭ حد … ج لامَّنْهَ
واجبر مقصد … فوڭِ منهَ
هاذ يطعن … غير امع انْهَ
ميقن عنـــــــــهَ ما منهَ(ولا اعليهَ)!
ويقول فيها:
غيدات الشد … بعد امَّنهَ
ما فيلح حد … منهم منهَ
والشيخ الرائد الأول للتعلق بأرض لبراكنه(والڭبله أحيانا)، ومن رائق قوله في البكاء على أطلال الصبا في لبراكنه:
ذِ دار ابعيرُبات … اخلات امن الحيات
وذِ دار امڭيرنات … اخلات امن الحيَّ
وعاد الوكر اديرات … وازويرت دنبيَّ
ذيكي واصل اخلات … امن الحي هيَّ
واذرذر صدر الواد … وامن الم لوديَّ
يبست واعڭوبت زاد … الدنيَ ذيكيَّ
وله في ذلك:
أغفرلِ ي الشفاع … دهر امضَ من لوجاع
بالجالَ دهر اكراع … لعجول انخوض أزمان
أخلاڭِ والتلياع … منُّ والوجد اڭران
واغفر دار ابلفراع … وادويرت بالنعمان
أغفرهَ هي ڭاع … أفصلهَ فالغفران
ويقول:
دهرْ التلكِ دهر امكنلِ … من دهرُ ما ڭط اظهرلِ
والِّ لُ عندِ متولِّ … دهر انباك انبلاد اهلاك
وكيفت ذاك امنين احجلِّ … تغفرلِ ي مالك لملاك
دهرِ بالتلكِ واغفرلِ … دهرِ ذاك املِّ بانباك
انبلاد ودهر املِّ … عاڭب ذاك اغفرلِ واياك
واملِّ تغفرلِ يلِّ … تغفر ذاك الِّ سابڭ ذاك
والشيخ من أكابر شعراء الأشوار ومن أسرعهم ڭافا مع الجودة العالية، يقول للفنانة عيشَ بنت محمد اعلِ بن الشويخ:
عندك فالهول ابلا اشبيه … بيت افلعبار اتكحليه
إنهول عند اتوفريه … بيت الوافر يبڭالك
واغنَ سينِ تبڭايْ بيه … وفاقُ يخلالك
وبيْتُ لكحل ما اعليه … خلاف، وحد الڭالك ــــ
فيه اتعلڭ واتعلڭيه … افتحرارك واكحالك
وبزراڭك زين اتوحليه … باڭيلك لُ تنحالك
وابياظك ما معلوڭ فيه … زين وزين أعظالك
ويقول مخاطبا تكيبر منت الشويخ:
باڭيلك ماهِ من المين … فالهول البيت الحڭ زين
واشوارُ لك مخليين … ذاكُ بل اتنهويلك
باڭيلك، واخيط آردين … يتكيبر باڭيلك
واترش واڭل اشوين رد … امن الناس وززتِ الحد
فالترشه واتمحلِ الوعد … من ڭلت شِ زاهيلك
قادِ شِ فيك الكل حد … وانتيّ ما قاديلك..
ويقول مخاطبا الفنانة منينَ بنت اعليَّ:
ذيك الڭومْ ولا فيهَ ڭول … من هولك عادت منهانَ
والڭوم الِّ منك فالهول … منهانَ لول منه آنَ
ويحكى أنه وفد على مجلس أدب في اندر، وكانت لهم حيلة يحصلون بها المال، حيث يستدعون فنانا يغنيهم، فإذا غنى شورا أنتجوا ڭفانا فمن كان ڭافه ساقطا أعطى بعض المال، فأرادوا أن يغتنموا فرصة مجيئه حيث أنه غريب، فكانوا كلما جاء شور يلتفتون إليه فيحرضونه فينتج ڭافا غاية في الجودة لأنه ليس معه مال ليعطيه، حتى قال كبيرهم: هاذَ امنادم ظاهرلِ عنُّ دافر حتّ وامغني  حتّ والا خلوه عنكم!
وكان الشيخ أريحي النفس فكاهيا، يروى أنه قدِم عليه أحد أقربائه وكان أديبا هو الآخر وطلب منه تسلف بعض المال فقال له الشيخ:”ال عت تعرف عنك لاهي اتردُّ لاه نعطيهلك وال مذاك آن فاصل فيه” فتعهد الرجل برده، وطال الزمن واحتاج الشيخ إلى ماله فذهب إلى الرجل الذي استقبله بحفاوة وقدم له قرى “مظبوطا” و”اهر اعليه ياسر من الفايتات” وبعد حين عرف الشيخ أن الرجل “امقشمي راصُ” وأنه يعتمد على سليقته فصفعه بهذا الڭاف:
يل ردك زين ولاهِ … ولا خالڭ ش ما رديتُ
خالڭ ش ڭلت انك لاهِ … بعد اتردُّ ما رديتُ
ويُقال ذات مرة كان له سروال واحد ففقده، وأرسلت له أسرة معتَبرة من قومه اسمها أهل أيَّ تطلب منه الحضور لمناسبة اجتماعية فأرسل لهم هذه الطلعه:
زايركم ي اهل ايَّ يهلِ … يغفرلِ والوالديَّ
ولِوالديهم ولِـــــــــــــــمن له حق عليَّ
وزايركم لا ريت افلقبر … ي اهل ايَّ مسلَ ڭاع اعكر
وزايركم يعملنِ نجبر … سروالِ زيارَ حيَّ
ولعاد الما مقدر … مرياه اعليَّ ي اهل ايَّ
زايركم للباسِ لا مر … ذ المنُّ مزال اعليَّ!
وصال الشيخ وجال في ميادين أخرى من لغنَ، ففي المدح كان أبرزُ ممدوحيه هو الإداري والأديب سيدِ بن الداهِ السباعي رحمه الله، وله فيه اتهيدينت من البت لكبير منها:
الله بركت سيد المرسلين … طه الرسول ال صادق وامين
صاحب المعجزات سيد الثقلين … البشير النذير صاحب الكوثر
صاحب اللوى شفيع المذنبين … المعمول اعل اشفاعةُ يوم المحشر
بركت ابو بكرٍ وذو النورين … عثمان وبركت ابن الخطاب عمر
وبركت علي والحسن والحسين … وبركت بيت الله وبركت الحجر
سيد ول الداهِ لا ظرت العين … وانفك من باس شر الليلُ شر
معلوم الداخل ولمرو والدين … ال كيف فالناس ما ڭط انجبر
كريم فتى الفتيان لديب العيين … الما امعاه حد فالكرْم اتل ينذكر
عطاي من البل لمراكيب الغاليين … وانياڭ ولبعير السمين الينتحر
والبڭرات الشوايل ال راضيين … والتمركاتن وادارفن لبڭر
والتكصات ال ساويات الملايين … والفظ وادراريع والخيط لحمر
ذوك يعطيهم معط ماهم باڭيين … فاخلاڭُ يوم معطاهم وبيهم منسر
الرجيل الفضيل المنفق الحسين … المحسن اليعرف يصلح ما ايخصر
اكبير التخمام النزيه لمين … العاقل الصدوق الريس المشتهر
وارڭ من الكتان للناس ساعت اللين … واكس من لحجار ساعة امعاه لعكر
ما ڭط خاير الما امش منتفع فالحين … ولا ڭط شار الما امش مغلوب منكصر
ويقول فيه:
سيدِ شكرُ بيه ذكرُ … لالُ ڭلت اندور
نعيَ ما وفيت شكرُ … وانطيح افمحذور
نعرف بعد انِّ اشبهلِ … نحذر من محذور دخلِ
اشلِ بالمحذور واشلِ … ڭاع ابذاك الصور
ووسيت اعل ذاك تكلِ … واشكرتُ بشور
واجبرتُ مشكور ڭبلِ … واجبرتُ مذكور
وكان الشيخ من مناصري توجهات حزب الوئام الذي يقوده الزعيم أحمدُّ ول حرمه ول ببانَ، وخلال إحدى الإنتخابات التشريعية ظهر اغنَ من منطقة بوتلميت فيه تعريض بالزعيم أحمدُّ، فرد عليه الشيخ بشعر فيه تعريض بأهل بوتلميت، لكن الأخيرين تلافوا الأمر فظلوا يراوغون الشيخ حتى قِبل دعوتهم لاستضافته، وأقاموا له قِرى بهيجا، فقال فيهم ڭافه الشهير:
ڭد البين -ولا فيهَ مين- … شِ ينڭاس وشِ ما ينڭاس
امن الناس، الا ڭد البين … شمن الناس امعَ شمن الناس
وأما لڭطاع فلم يكن أكثر الأغراض في أدبه لخوف الأدباء منه، وذات مرة كانت بينه أزمة مع صاحب مال، فقال المختار ول عابدين ول هدار:
لڭيات انتَ ي الظريف … ملاهم ما ڭط احكمهم
وحد اخدم مده ماهُ كيف … أمنادم ماهُ خادمهم
مشيرا إلى أن والدة الشيخ من شريحة الأرقاء، فقال الشيخ:
المختار ادخل بين أثنين … ما كلمهم ما علمهم
وامنادم لاهِ يدخل بين … أثنين إعود امعلمهم
مشيرا إلى ما تقوله العامية من انتماء أهل هدار إلى طبقة لمعلمين، والتحقيق أن لحراكات والمعلمين طبقتان متمايزتان..
أما شعر التوبة فقد خصص له الشيخ السنوات الأخيرة من عمره فأبدع فيه أيما إبداع وقد اكتمل نضج تجربته، فانظر إلى قوله المبكي:
عمرِ طيتُ طفح الشباب … مني وازرڭني للذهاب
تبت المُلانَ كل باب … فيه امن الطرب الكافِ
دخلنِ طربِ ما انهاب … طرب اكبير ولا ظافِ
واليوم امنين الراص شاب … وعاد الطرب اعل اوصافِ
حد اوحلهم منهم فيه عاب … -إفرحنِ فالخافِ-
لاهِ نوفَ وفيان حد … من طربُ ماهُ حافِ
وكاره لحفَ يغير بعد … من ياسر منُّ وافِ
وله منها:
ي العڭل ال لك فالطوَع … للحظ امابِ تنكرع
فايام الغفله مندفع … فاهناك وفاطوطيحك
راجع فاخبارُ وانخلع … وارجَ من ذاك اريحك ـــ
ــ مُلان واندم وانڭطع … فالل دايم تصريحك ــ
ــ بالذكر وبايَ تنتلَ … تم وتم ابتِسبيحك
دايم تَسبيحك لا اتلَ … يمرڭ فمك تَسبيحك
ومن آخر إنتاجه وقد ضعفت قريحته معتبرا بحاله:
عت امڭلل فلملاهِ … وعت امل ڭاف انڭولُ
يغلبنِ ڭولُ للهِ … بعد القوة والحولُ
ويوم 19 دجمبر 1996م فُجعت الصحراء برحيله عن هذه الدنيا إلى دار النعيم إن شاء الله.

من صفحة رائد الثقافة الصحراوية