… تمخض الجبل ثلاثا، ولم يلد! (9)
أسئلة حائرة موجهة إلى “دفاع الطرف المدني”!
بقلم الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

السؤال السابع: حول عدم شرعية “لجنة التحقيق البرلمانية”
… وتطرق السيد النقيب في مؤتمره الصحفي أيضا إلى “لجنة التحقيق البرلمانية” فقال ردا على قولنا بعدم شرعيتها: “تم الحديث كذلك عن اللجنة البرلمانية وعن عدم شرعيتها. (لم نتحدث قط عن اللجنة البرلمانية؛ وإنما تحدثنا عن لجنة التحقيق البرلمانية) أريد أن أقول أولا أن اللجنة البرلمانية نص الدستور على أنها تُعَدَّلْ – تنشأ طبقا للنظام الداخلي للجمعية الوطنية الذي يصنف قانونا نظاميا. لكن المسألة لم تعد قابلة للنقاش. لأن أمر الإحالة صدر، وأمر الإحالة لم يعتمد على عمل اللجنة البرلمانية. اعتمد غربلة قطب التحقيق الذي حقق في هذه القضية واستمع للمتهمين وواجههم فيما بينهم واستمع للشهود وواجههم مع المتهمين وأصدر الكثير من الإنابات القضائية حتى أصدر قراره على أساس هذه المعطيات وعلى أساس هذه الغربلة لا على أساس عمل اللجنة البرلمانية”. (خطَّا التشديد منا).
وينقسم هذا القول الذي نقلناه حرفيا، والرامي إلى شرعنة وتبييض جريمة الانقلاب على الدستور وإنشاء “لجنة تحقيق برلمانية” لا أساس لها فيه، إلى قسمين: أ) حجج قديمة تدّعي دستورية وقانونية “لجنة التحقيق البرلمانية” الباطلة. ب) دعوى جديدة مفادها أن مسألة عدم شرعية لجنة التحقيق البرلمانية تم تجاوزها و”لم تعد قابلة للنقاش لأن أمر الإحالة صدر، وأمر الإحالة لم يعتمد على عمل اللجنة البرلمانية”.
وسنرد على هذا القول بما يلي:
أ): في دعوى دستورية وقانونية “لجنة التحقيق البرلمانية” الباطلة!
ليس في هذه الدعوى جديد؛ بل هي تكرار لما سبق قوله، ورددنا عليه بالتفصيل ردودا يمكن أن نقتطف منها ما يلائم طريقة عرضه للمسألة من جديد، فنقول:
أولا: إن دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية الصادر بتاريخ 20 يوليو 1991 لم ينص في أي مادة منه على تشكيل لجنة تحقيق برلمانية تحقق في تسيير حكومة قائمة، أحرى أن تحقق في تسيير حكومة منصرفة. ومواده من 45 إلى 77 المكرسة للسلطة التشريعية لا تنص واحدة منها على أن تلك اللجنة “تُعَدَّلْ” حسب تعبير السيد النقيب! وتقتصر مواده المتعلقة برقابة البرلمان على الحكومة في إطار القانون (المواد من 72 إلى 77) على مسألتين جوهريتين هما:

  • تقديم الإيضاحات المطلوبة من الحكومة (القائمة طبعا) بشأن تسييرها ونشاطها حسب الصيغ الواردة في القانون. (المادة 72) ويتم ذلك عن طريق الاستجواب الذي يجري تحت قبة البرلمان. ولا سلطان للبرلمان على مؤسسة الرئاسة إطلاقا، ولا على الحكومات المنصرفة، كما لا سلطان له كذلك على رقابة الأموال العمومية التي هي من اختصاص محكمة الحسابات حسب الفقرة قبل الأخيرة من المادة 68 من الدستور؛ وتقول حرفيا: “محكمة الحسابات هي الهيئة العليا المستقلة المكلفة برقابة الأموال العمومية”!
  • ملتمس الرقابة حول برنامج الحكومة، أو حول بيان عام يقدمه الوزير الأول المسؤول هو وحكومته (القائمة طبعا) أمام البرلمان. ويشترط في ملتمس الرقابة أن يحمل هذا العنوان، وتوقيع مقدمه، وتوقيع ثلث أعضاء البرلمان؛ وتنجم عنه – إذا نال أغلبية النواب- الاستقالة الفورية للحكومة (المادتان 74 و75)! هذا كل ما في الدستور! أما مُزحة “النظام الداخلي للجمعية الوطنية الذي يصنف قانونا نظاميا” فلا أساس لها من الصحة كما بيَّنّا وفصلنا مرارا وتكرارا، وهي من البساطة بحيث لا يَلجأ إليها إلا من أعيته الحجة وتقطعت به الأسباب! وهل يستغرب في بلد تسوده الأمية القانونية، والجهل المركب، والادعاء، والجشع، والفساد، أن يَتطاول على الدستور بالباطل، ويُرهب ويَبتز المصلحين نوابٌ يجهلون حقوقهم وواجباتهم لحد الدعوة علنا إلى مأمورية ثالثة يحظرها الدستور! ويقول أمثلهم طريقة: “… في حين أن ما يسعى إليه النواب هو قيام البرلمان بدوره في رقابة الحكومة؛ سواء أكانت هذه الحكومة أم الحكومات السابقة”! خاصة إذا كانت وراء هذا البغي البرلماني الفج مصالح ومنافع خصوصية معتبرة، وتصفية حسابات سياسية واجتماعية كبرى! ثانيا: وتبقى “حجة” عزيزة على قلوب عمدائنا وزملائنا المجتهدين والجادين في جلب واستيراد التشريعات الأجنبية ليؤسسوا عليها مسؤولية جنائية وهمية لرئيس الجمهورية السابق خدمة لمآرب أخرى؛ ألا وهي وجود لجان تحقيق برلمانية في فرنسا. وهذا صحيح. وسببه كون فرنسا جرى فيها تعديل دستوري سنة 2007 نص على إنشاء لجان تحقيق برلمانية، وذلك في مادته 51 – 2 جديدة. التي تقول ما يلي: “لممارسة مهام الرقابة والتقييم المعلنة في الفقرة 1 من المادة 24 يمكن إنشاء لجان تحقيق برلمانية في كل غرفة برلمانية لتلقي المعلومات حسب الشروط المنصوص عليها في القانون. يحدد القانون قواعد تنظيمها وتسييرها. طريقة إنشائها يحددها النظام الداخلي لكل غرفة”. ويمكننا أن نستخلص من ذلك الاستنتاجات التالية:
    • أن هذا التعديل الدستوري الذي سن إنشاء لجان تحقيق برلمانية وحدد قواعد تنظيمها وتسييرها، قد جرى في فرنسا، ولم يجر في موريتانيا التي استقلت عن فرنسا قبله بسبع وأربعين (47) سنة!
    • أن لجان التحقيق البرلمانية في فرنسا قد أنشئت بواسطة تعديل دستوري نص عليها في المادة 51 – 2 جديدة من الدستور الفرنسي، ولم تنشأ بقانون نظامي، ولا بمرسوم، ولا بنظام داخلي. لأن وظيفتها تدخل في كنه الدستور – ميثاق الأمة: تنظيم العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية!
    • أن المادة 51 – 2 جديدة التي أنشأت لجان التحقيق البرلمانية في فرنسا، لم تنشئها فحسب، وتتركها تعيث في الأرض فسادا كما جرى عندنا، من فراغ! بل حددت مهمتها في “تلقي المعلومات حسب الشروط المنصوص عليها في القانون”. ونصت على أن “يحدد القانون قواعد تنظيمها وتسييرها”. ولم تترك للنظام الداخلي لكلا الغرفتين سوى طريقة إنشائها.
      ب): عدم قابلية مسألة عدم شرعية “لجنة التحقيق البرلمانية” للنقاش الآن! “لأن أمر الإحالة صدر، وأمر الإحالة لم يعتمد على عمل اللجنة البرلمانية”.
      فهذا القول ليس مزاحا، وما هو بالهزل! بل نظرية “محكمة” يدلي بها “دفاع الدولة”!
      لكن ما هي تفاصيل قصة اتهام قادة موريتانيا في عشريتها الذهبية بالباطل؟ كيف بدأت؟ وعلى أي أساس بنيت مسطرة ذلك الاتهام الغريب العجيب؟
      من هنا بدأ الخيط عبر أربع مراحل هي:
  • فتنة المرجعية المقيتة.
  • “لجنة التحقيق البرلمانية” الباطلة.
  • إحالة تقرير (أو تقارير) لجنة التحقيق البرلمانية الواهي الباطل إلى الحكومة إحالة باطلة! إذ لا يوجد في الدستور أثر أيضا لهذه الإحالة المزعومة!
  • عمل النيابة العامة التالي:
    “إلى ضابط الشرطة القضائية/ مدير مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية بالإدارة العامة للأمن الوطني،
    الموضوع: تكليف بالقيام ببحث ابتدائي، وببحث مالي موازي،
    نحن … منسق فريق مكافحة الفساد بالنيابة العامة؛
    بناء على التعليمات الصادرة إلينا من النيابة العامة، بموجب المحول رقم 1288/2020 بتاريخ 05/08/2020 الذي يحيل إلينا تقارير لجنة التحقيق البرلمانية، من أجل القيام بالمتابعات اللازمة.
    وبعد الاطلاع على تقارير لجنة التحقيق البرلمانية: تقرير الصياغة – تقرير التحقيق والتدقيق القانوني والمالي المعد من طرف مكاتب الخبرة المنتدبة – تقرير التدقيق القانوني والمالي المعد من طرف خبراء محكمة الحسابات.

    نكلفكم بمباشرة إجراء بحث ابتدائي حول الوقائع الواردة في التقارير المذكورة، والبحث عن المشتبه بهم، وعن كل من تظهر أدلة ضدهم، وموافاتنا بنتائج ذلك…
    تجدون مرفقا بهذا التكليف تقارير لجنة التحقيق البرلمانية، وهي: تقرير الصياغة – تقرير التحقيق والتدقيق القانوني والمالي المعد من طرف مكاتب الخبرة المنتدبة – تقرير التدقيق القانوني والمالي المعد من طرف خبراء محكمة الحسابات”.
    الاسم والتوقيع
    (جميع خطوط التشديد منا)!
    لقد أسس “بناء” الدعوى العمومية كله على شفا جرف هار هو تقرير/ أو تقارير لجنة التحقيق البرلمانية كما رأينا!
    والآن وقد ظهر بطلان “لجنة التحقيق البرلمانية” ومخالفتها لنص الدستور؛ وعَجَزَ عرّابوها ومبيضوها عن وجود حيلة تسعفها وتبقيها على قيد الحياة، وتَبين كذلك بطلان تقريرها (أو تقاريرها) وخلوه مما من شأنه أن يؤسس اتهام الرئيس السابق المستهدف قبل غيره في هذه الدعوى السياسية الكيدية الملفقة.. ها هم أولاء يتبرؤون علنا من “لجنة التحقيق البرلمانية” ويكتمون تقاريرها الباطلة الصفراء، ويخفونها، حتى عن قضاتهم وعن المتهمين الذين استخدمت وسيلة وسببا لتوريطهم واتهامهم بالباطل؛ حيث لا يوجد أثر لتقرير (أو تقارير) “لجنة التحقيق البرلمانية” الذي بنى عليه منسق فريق النيابة عمله في ملف الاتهام ذي الرقم 001/2021، ويخرجون لنا من قبعاتهم كما – يفعل حاوي السيرك- حيلة جديدة هي “لكن المسألة لم تعد قابلة للنقاش. لأن أمر الإحالة صدر، وأمر الإحالة لم يعتمد على عمل اللجنة البرلمانية. اعتمد غربلة قطب التحقيق الذي حقق في هذه القضية واستمع للمتهمين وواجههم فيما بينهم واستمع للشهود وواجههم مع المتهمين وأصدر الكثير من الإنابات القضائية حتى أصدر قراره على أساس هذه المعطيات وعلى أساس هذه الغربلة لا على أساس عمل اللجنة البرلمانية”. (ستكون هذه الغربلة المزعومة موضوع السؤال الموالي بإذن الله)! ناسين أو متناسين أن الدعوى كلها أسست على عمل “لجنة التحقيق البرلمانية الباطلة”.. وما بني على باطل فهو باطل!
    فأية مهزلة هذه التي تجري أمام الملأ؟ وأي احتيال منظم وممنهج باسم ووسائل الدولة والعدالة والقانون؟
    يتبع
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on telegram
Telegram
Share on pinterest
Pinterest
Share on skype
Skype